أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1238.jpg&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الجديع

ثقافة الترحال في تجربة ريم الفيصل

تعد الصورة الفوتوغرافية، في جوهرها، تأملاً فلسفياً في هشاشة الزمن؛ فهي الروح التي تحفظ أزمنة السلم، والصرخة التي تفضح قسوة الحروب، وهي ليست مجرد انعكاس بصري للحظة عابرة، بل محاولة عميقة لاحتجاز الزمن، وإنقاذ المعنى من التبدد. ولعل الحضارات القديمة لم تترك لنا سوى ما استطاعت العين أن تحفظه والروح أن تؤوّله؛ لذلك ظل التصوير الفوتوغرافي أحد أكثر الفنون التصاقاً بالذاكرة الإنسانية، وأشدّها قدرة على استنطاق التاريخ، وإعادة بثّ الحياة في صمت الأمكنة.


ومن بين أكثر التجارب التصاقاً بفكرة «ثقافة الترحال»، تبرز أعمال الرحالة والمستشرقين الذين حملوا عدساتهم كما يحمل الشعراء دفاترهم؛ يوثقون المدن، ويتأملون وجوه الناس، ويلتقطون نبض الحضارات وهي تعبر الزمن. فالصورة ليست مجرد مشهد، بل لغة كونية لا تحتاج إلى ترجمان، تختصر الحكايات والأزياء والطقوس وأحلام البشر، وتمنح اللحظة العابرة حياة أخرى لا يطالها الفناء. ولهذا اكتسبت الصورة مكانتها بوصفها وثيقة بصرية ذات مصداقية عالية، حتى قيل في الحكمة الصينية القديمة: «الصورة الواحدة خير من ألف كلمة»، لأنّ الضوء أحياناً يقول ما تعجز اللغة عن البوح به.


في هذا الأفق الرحب تتجلى تجربة الأميرة ريم محمد الفيصل، بوصفها أول سيدة سعودية رائدة في التصوير الفوتوغرافي الفني في المملكة العربية السعودية والخليج العربي، وتمتلك في مشوارها مع فن التصوير الفوتوغرافي أكثر من 30 عاماً من الدُربة الطويلة.


وبخصوص معرضها «أرض الحجيج والشعراء»، المقام حالياً في «مساحة وصل» الفنية بمدينة جدة منذ 30 أبريل، ويستمر حتى 25 مايو الحالي، قالت الأميرة في حديثها للصحافة إنها وعبر الحجيج القادمين إلى السعودية، تمكنت من التعرف على ثقافاتهم وتقاليدهم، وملامح وجوههم وألوانهم. وأضافت أنّ تجربتها بمثابة رحلة في الحضارة الإنسانية وتاريخ البشرية خلال موسم الحج، وأنّ اختيارها عنوان المعرض «أرض الحجيج والشعراء» يعود إلى الحضارة القديمة في الجزيرة العربية؛ فمن خلال اطلاعها وقراءاتها الشعرية لاحظت أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الإنسان والبيئة، وهناك نسق متناغم يربط الإنسان بالترحال والطبيعة والجبال، فما من موضع مميز ولا صحراء، أو وادٍ أو جبل، إلا وتم ذكره ووصفه في القصائد الشعرية، أو من خلال القصص التي ربطت الطبيعة والإنسان بالتركيبة المكانية، كما هو الحال في موسم الحج.


لم تكن الصورة مجرد توثيق لشعائر الحج، بل رحلة إلى الجوهر الإنساني، ومحاولة لاكتشاف المعنى الروحي الكامن خلف حركة تفاعل الجموع، وتلك اللحظة التي يذوب فيها الفرد في الكل، وتتماهى الهويات في بياض الإحرام وصفاء الروح.


استطاعت ريم الفيصل أن تمنح الحج بُعداً بصرياً يتجاوز الطقس الديني إلى أفق إنساني وشعري أكثر رحابة؛ فعدستها لا تلاحق المشهد فقط، بل تُنصت إليه، وتقرأ ما وراء الظلال والوجوه والخطوات. ولهذا بدت صورها وكأنها قصائد مكتوبة بالضوء؛ تتداخل فيها الروحانية بالشعر، والهوية العربية بالتأمل الوجودي العميق.


ويأتي توثيقها موسم الحج في مقدمة تجليات تجربتها الفنية؛ ففي صورها تتألق السكينة كأنها ابتهال بصري، ويغدو مشهد الحشود البشرية نوعاً من التناغم الكوني المهيب أمام مشهد الخيام في موسم الحج، فيتداعى في عدستها وكأنه لوحة تجريدية ضخمة، تنطق بالنظام والروحانية والرهبة الإنسانية العميقة.


ولم يكن غريباً أن تحظى هذه التجربة الثرية باعترافات دولية ومحلية، تُوّجت بحصولها على وسام فيلق الشرف الوطني الفرنسي «ليجيون دونور» عام 2009، في تكريم يتجاوز الإنجاز الفردي إلى الاعتراف بالدور الحضاري والثقافي الذي أصبحت المرأة السعودية تؤديه بثقة واقتدار، في ظل التحولات الكبرى التي صنعتها رؤية المملكة 2030، والتي أعادت تفعيل الحضور النسائي في المشهد الثقافي والفني.


لقد نجحت الأميرة ريم الفيصل في تحرير الصورة من جمود اللقطة التقليدية، وصاغت من أعمالها سردية حضارية نابضة بالروح والإنسان. فهي لا تلتقط المكان باعتباره جغرافيا صامتة، بل بوصفه كائناً حيّاً يختزن الذاكرة والتاريخ والانفعالات البشرية. ومن هنا يسطع البعد الإنساني في تجربتها، خصوصاً في اهتمامها بالقضايا العربية، حين أقامت معرضها الفني في مركز السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله؛ هناك حيث تتكئ الأرض على ذاكرة مثقلة بالألم والجمال والحضارة الإنسانية.


وفي أسفارها الفنية المتعددة، ظلّت ريم الفيصل تُوسع أفق الفن البصري السعودي، مانحة عدستها للعمارة الإسلامية التاريخية، ولتفاصيل الحياة اليومية في مجتمعات مختلفة، في تماهٍ عميق مع فكرة الترحال بوصفه اكتشافاً للذات قبل اكتشاف الآخر. لقد كانت تسافر لتلتقط الإنسان في لحظته الأكثر صدقاً، ولتؤكد أنّ الفن الحقيقي لا يعترف بالحدود، بل ينتمي إلى المشترك الإنساني الأوسع.


ولعل أكثر ما يميّز أعمالها ذلك الولع بالأبيض والأسود؛ حيث التباين الذي يشبه الحياة نفسها، حين يتجاور النور والعتمة، والحضور والغياب، والفناء والخلود. فهي لا تستخدم اللون بقدر ما تستخدم الإحساس، ولذلك يشعر المتأمل في صورها أنه لا ينظر إلى مشهد خارجي، بل يعبر إلى داخله الشخصي، إلى ذاكرته وأسئلته وتأملاته الخاصة، وبالتالي ترفض ربط هذا الخيار الفني بالحنين أو النوستالجيا، مؤكدة أنّ علاقتها بالأبيض والأسود لم تكن محاولة لاستعادة الماضي، بل كانت بحثاً عن التحكم في الظل والنور.


إنّ الصورة عند ريم الفيصل محاولة لكتابة التاريخ بمداد الضوء. إنها لحظة التقاء العين الثاقبة بروح الخيال، حيث يتحول الزمن إلى أثر، ويتحول الإنسان إلى حكاية خالدة. ولذلك فإنّ تجربتها تتجاوز حدود التصوير الفوتوغرافي، لتغدو مشروعاً ثقافياً وإنسانياً يعلّمنا كيف يمكن للصورة أن تكون وطناً للذاكرة، ولغة للجمال، ومرآة للروح.

00:00 | 24-05-2026

مؤسسة خالد الفيصل: أفق ثقافي جديد..

في خضمّ الضجيج، ووسط صخب الغثاء الذي يعلو أحياناً على صوت الحقيقة الصادح، تشرق شمس المعرفة لتبدّد غيوم الزيف المثقلة بالجهل، معلنة أنّ ذاكرة الإنسانية لا تحفظ إلا ما كان أصيلاً ونافعاً ومحفّزاً على الإبداع والاجتهاد والتبصّر، وحارساً لهوية الأمة ووجدانها.

وفي ضوء الآمال المشعة، والرؤى المفعمة بوعد المستقبل، انطلقت «مؤسسة خالد الفيصل الثقافية» في مدينة جدة بتاريخ السادس من مايو 2026، لتجمع مبادرات سموه في إطار مؤسسي يضمن استدامتها، ويحفظ هذا النتاج الوطني الثري للأجيال المقبلة. وترتكز المؤسسة على رؤية شاملة تنبع من إيمان عميق بدور الثقافة في بناء المجتمعات وصناعة التحوّلات، وتسعى إلى تنمية الإبداع الثقافي، وإنجاز عمل نوعي يحمل هوية وطنية أصيلة.

ومع تجدّد الظمأ الإنساني للمعرفة على إيقاع تحولات كبرى لم تتوقف عند حدود السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى عمق البناء الثقافي والاجتماعي، تبرز هذه المؤسسة بوصفها مشروعاً ثقافياً يعيد الاعتبار للمعرفة الرصينة، ويقف سداً في وجه موجات التضليل وتآكل الهوية. وتتطلع، في غضون ذلك، إلى مواكبة زمن تُعيد فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل الوعي وصناعة المحتوى، متجاوزة المفهوم التقليدي نحو فضاءات تفاعلية وسرديات مبتكرة.

ولا يمكن قراءة ميلاد هذه المؤسسة بمعزل عن صاحب الاسم؛ الأمير خالد الفيصل، هذه القامة الوطنية والثقافية الشامخة التي تبدو بصماتها واضحة في ميادين الفكر والإبداع والعمل العام. فسموّه ليس مجرد راعٍ للثقافة، بل مبدع يعيش في قلب التجربة الثقافية ذاتها؛ شاعرٌ طوّع الحرف، ومثقف استشرف آفاق الفكر العربي منذ عقود.

إننا، إذاً، أمام نهر متدفق من العطاء الأدبي والمعرفي، وموردٍ ثرّ للإبداع. وما إطلاقه لهذه المؤسسة إلا استجابة لمسؤولية تاريخية شعر بها سموه تجاه وطنه وأمته لتكون منارة ثقافية تحمل تراكمات عقود من العمل المؤسسي، ولعل تأسيسه السابق لـ«مؤسسة الفكر العربي» خير شاهد على اهتمامه العميق ببناء كيانات معرفية راسخة تخدم الحضارة العربية، وتبرز سماتها الأصيلة التي تجسّد القواسم المشتركة بين الشعوب كافة.

وانطلاقاً من حالة الوعي الثقافي المتنامي في المجتمع السعودي، فقد أكد الموقع الإلكتروني لمؤسسة خالد الفيصل، على رؤيتها الطموحة في «الوصول إلى حركة إبداع ثقافية أصيلة مبنية على قواعد راسخة من قيمنا الإسلامية»، فيما تؤكد رسالتها السعي إلى أن «تكون رافداً وطنياً يجسّد الثقافة من خلال تعزيز القيم الأصيلة وتشجيع الابتكار والإبداع للمساهمة في صناعة مستقبل مزدهر»، ودعم الثقافة والإبداع والابتكار والاستدامة.

المملكة تزخر بالحراك

الثقافي والمعرفي

وتأتي هذه المؤسسة الرائدة تماشياً مع حرص وتطلعات القيادة الشابة التي جعلت من الثقافة ركيزةً أساسية في «رؤية المملكة 2030»، من خلال حث الطاقات الإبداعية والفكرية على الإبداع والابتكار، وشحذ الهمم، وتحفيز الجهود والمبادرات الثقافية، وتدعيم اللغة العربية بوصفها وعاء الإبداع، والحفاظ على مقوماتها، وتنمية الشعر العربي والمحتوى الثقافي، في مسيرة لا تنفك تلهم الأجيال، وتشعل قناديل التنافسية في قلوبهم وعقولهم.

هذه المؤسسة معلم مضيء في سماء المملكة يرفد الفضاءات الثقافية والأعمال الإبداعية والفنية، لذا فإنّ همها الأساسي هو بناء جسور الحوار الحضاري، والاشتباك بين موروثنا العريق المنفتح على مستجدات المعرفة الحديثة، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي والمعرفي.

بزوغ فجر «مؤسسة خالد الفيصل الثقافية» ليس مجرد حدثٍ عابر، بل هو احتفاءٌ بالروح السعودية المبدعة التي جُبلت على الطموح، والتي لا ترتضي بغير ذُرى المجد بديلاً. إنه التجسيد الحيّ لنهج قيادة آمنت بأنّ الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء الإنسان، وأنّ الثقافة ليست ترفاً هامشياً، بل هي الروح النابضة للتنمية المستدامة، والركيزة التي تقوم عليها نهضتنا المعاصرة، في سبيل بناء مجتمعٍ حيويّ يفيض بالعطاء.

نتطلع في رحاب هذه المؤسسة الثقافية أن يتوهّج الحرف نوراً، وتنبض الفكرة حياة، لتغدو مجرّة تشع بالمعرفة والجمال، ومرفأ يحتضن الحراك الفكري الناهض بكل ما فيه من عمقٍ ووعيٍ وإبداع.

هذه المؤسسة الفتية تنطلق من إرثها العريق، ومكانة مؤسِّسها الرفيعة، لتجسد مكانة المملكة كمصدر إشعاعٍ ثقافي، وحاضنة للحراك الفكري الأصيل الذي يقدم للعالم نموذجاً فريداً يمزج بين عراقة الموروث وبين «المذاق المتجدد» لروح الابتكار، لتبقى بلادنا دوماً وجهة المثقفين، وقبلة المبدعين، وحلم الباحثين عن صناعة المستقبل.

00:16 | 19-05-2026

أزمات الشرق الأوسط والتعايش السلمي

ما انفكت منطقة الشرق الأوسط بؤرةً للأزمات والصراعات المستمرة التي تلقي بظلالها الكثيفة على استقرارها وتنميتها، وتحول دون ازدهارها. وعبر التاريخ كانت هذه المنطقة مصابة بلعنة الحرب التي حكمت مصيرها وكبّلت مستقبل أجيالها لقرون. ورغم أنهار الدماء التي سالت إلا أن اللعنة ما زالت تفعل فعلها؛ فتضرب ذات اليمين وذات الشمال.

وفي خضم ذلك، وما أسفر عنه من آلام ومآسٍ وتحديات جسيمة، يبرز التعايش السلمي كضرورة قصوى لحل مستدام، وحتمية إستراتيجية للخروج من دوامة العنف والدمار. فقد أثبت التاريخ، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ الحروب لا تجلب سوى الخراب المادي والبشري، وتدمير البنى التحتية، وتبديد الموارد، وتأجيج الكراهية والعداء بين الشعوب، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من المعاناة واليأس، نشهد فصولها كل يوم.

ومن المتعارف عليه في فقه العلاقات الدولية أنّ الجوار الجغرافي لا يعني بالضرورة الوفاق السياسي، بل كثيراً ما تسعى الدول إلى تعزيز مكانتها على حساب تراجع الآخر، لا سيما أنّ لكل دولة تاريخاً وثقافةً يغذيان رؤيتها لمكانتها، ويؤثران في سلوكها الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، برز مفهوم «التعايش السلمي(Peaceful Coexistence)» بشكل واضح في العلاقات الدولية في مطلع القرن الماضي، وقد اعتمد لينين هذا المفهوم كوسيلة لحماية الدولة السوفيتية الفتية وتطبيع العلاقات مع الدول الرأسمالية. واستمر العمل بهذا المفهوم في مراحل لاحقة، من بينها النزاع السوفيتي- الصيني في أوائل سبعينات القرن الماضي.

والجدير بالذكر أنّ الصين تبنت مبدأ التعايش السلمي كمسار في سياستها الخارجية، وشددت على المبادئ الخمسة وهي الاحترام المتبادل للسلامة الإقليمية والسيادة، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعضنا البعض، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. وقد حظيت هذه المبادئ باعتراف المجتمع الدولي في مؤتمر باندونغ عام 1955 في إندونيسيا، والذي شكل النواة لمنظمة عدم الانحياز التي تأسست عام 1961 في بلغراد.

هذا التوجه اعتمدته لاحقاً الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة والعشرين، ضمن إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وقد شكل إطاراً يحكم العلاقات بين الدول منذ معاهدة وستفاليا لسيادة الدولة القومية. هذه المبادئ الخمسة للتعايش السلمي أصبحت نهجاً متبعاً للتفاهم بين الدول، لترسيخ السلام والأمن، وتحقيق الاستقرار والاحترام المتبادل.

وفي السياق ذاته، ظهر مصطلح «الوفاق(Détente)»، المشتق من اللغة الفرنسية، ويعني «تخفيف التوتر»، لوصف مرحلة من خفض التصعيد الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إبّان الحرب الباردة، بدءاً من عام 1969. وقد تميزت تلك الفترة بجهود دبلوماسية كبيرة لم تنهِ الحرب الباردة تماماً، لكنها قللت من حدّتها، ومهدت الطريق لمعاهدات الحد من التسلح، وتقليص خطر المواجهة النووية.

وبالعودة إلى واقع الشرق الأوسط، فإنّ المشهد الجيوسياسي في المنطقة تحكمه أحداث دامية استقطبت أنظار العالم، وعلى رأسها مجازر الإبادة الوحشية في غزة، وحرب التجويع، والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للقانون الدولي والمواثيق الأممية، في ظل إصرار إسرائيل على مواصلة عملياتها العسكرية وتجاهلها التام للرأي العام الدولي.

وقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، علناً بعدم استعداده للتخلي عن السيطرة الأمنية على الأراضي الواقعة غربي نهر الأردن، ما يؤكد استمرار العربدة السياسية والعسكرية من دون رادع فعلي من المجتمع الدولي. وجاء تصويت الكنيست الإسرائيلي (الأربعاء 23 الجاري)، بالموافقة على مشروع القانون المتعلق بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن، ليصبّ الوقود على نار التوتر، حيث يهدف المشروع، إلى بسط القانون الإسرائيلي على هذه المناطق وهيمنتها من خلال اتباع سياسات أحادية وتغليب القوة، وهو ما يلقى معارضة شديدة من المملكة والجامعة العربية والمجتمع الدولي الذي يعتبر الضفة الغربية أراضي محتلة ويدعو إلى حل الدولتين.

وفي ظل هذه الأوضاع المشتعلة، فإنّ تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب جهوداً حقيقية لتعزيز التعاون والحوار بين دول المنطقة. فالمفاوضات الإقليمية هي الأداة المحورية لتجاوز التوترات التاريخية والانقسامات الراهنة، وينبغي أن تستند إلى مبادئ القانون الدولي، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.

ويدرك المجتمع الدولي أنّ ازدهار أي دولة في المنطقة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن استقرار جيرانها وازدهار البيئة المحيطة، مما يفرض تبني مقاربة جماعية تضع المصلحة الإقليمية فوق الحسابات الضيقة، وشهوة السيطرة والتوسع، والتوترات الأيديولوجية المثقلة بالوهم والصراعات.

لقد آن الأوان لتوجيه مسار الجهود بعيداً عن الحروب، وتبني نهج جديد في صياغة نظام إقليمي جديد يُعلي من شأن المصالح العربية، ويستند إلى مقررات الشرعية الدولية بشأن السلام، مع وضع القضية الفلسطينية في قلب هذا النظام. ويجب أن يكون حل الدولتين أساساً لهذا التوجه، إلى جانب كبح التهور الإسرائيلي الذي يهدد استقرار سائر دول المنطقة.
20:34 | 28-07-2025

السعودية: حكمة الريادة في زمن التحولات

ما انفكّ الشرق الأوسط مرتعاً للصراعات والتوترات، حيث تشابكت التحالفات، وتصادمت المصالح، مخلفة وراءها إرثاً ثقيلاً من عدم الاستقرار وتحديات التنمية.

هنا على هذه الأرض المبتلاة بالعنف والتوتر والدماء، حيث لا تنطفئ نار حتى تشتعل أخرى، لا بد من أن يعلو صوت حكيم فوق هذا الهدير المدمر. وهنا، وفي خضم هذه الديناميكية المعقدة، تبرز المملكة لاعباً محورياً يسعى، بخطى واثقة، نحو صياغة مستقبل جديد للمنطقة، وفق رؤية واضحة المعالم تقودها قيادة تعلم علمَ اليقين أنّ الدم يستسقي الدم، وأنّ الآلام تولد الأحقاد، وأنه لا خيار إلا في السلام والاعتراف بالحقوق القانونية التي شرّعتها الاتفاقات الدولية على أساس التعايش، والاحترام المتبادل بين الدول والشعوب.

تتجسد هذه الرؤية الخلاقة في جهود الزعيم الفذ الأمير محمد بن سلمان؛ الذي يقود مساراً دبلوماسياً نشطاً لإزالة مسببات التوترات والأزمات، وتقليص حجم النزاعات، دعماً للاستقرار وتركيزاً على مسار التنمية. هذه الخطوات تعكس بوضوح الأهمية الجيوسياسية للمملكة ومحوريتها، ما يجعلها مركز الثقل في حل القضايا الإقليمية الشائكة.

لقد أصبحت المملكة الوجهة الرئيسية التي ترنو إليها أنظار العالم بأسره. وليس أدلّ على ذلك من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجعل المملكة العربية السعودية أولى الدول التي يزورها في كلتا فترتيْ ولايته. هذا لا يعطي بعداً إضافياً للعلاقات الثنائية السعودية الأمريكية فحسب، بل يجسد في الوقت نفسه مكانة المملكة وأهميتها السياسية الدولية.

وفضلاً عن ذلك، فإنّ الأهمية المتزايدة لدور المملكة تتجلى في العديد من المؤشرات، بدءاً من إعلان رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا من الرياض، وهذه علامة فارقة على الزخم الكبير الذي يحظى به ولي العهد في الساحة الدولية، علاوة على موافقة الولايات المتحدة وروسيا على أن تكون الرياض محطة لمباحثات السلام بين روسيا وأوكرانيا، ما يشكل دليلاً إضافياً يجعل من الرياض «عاصمة السلام».

كما أن رؤية السعودية 2030 ترسم مساراً واضحاً للمملكة للانتقال من الاعتماد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد المعرفة والابتكار، مع التركيز على الاستثمار في رأس المال البشري والتقنيات المتقدمة.

وفي عالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، تسعى المملكة، من خلال هذه الرؤية، إلى لعب دور ريادي في تشكيل ملامح النظام العالمي الجديد، عبر دعم الحوار والتفاهم، وتعزيز الاستقرار والرخاء، والمساهمة في بناء عالم يسوده السلام والتعاون.

الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، ضاق ذرعاً بالوحشية والهمجية الإسرائيلية في قطاع غزة، وارتكاب المجازر والإبادة الجماعية، ما أثار حفيظة المجتمع الأوروبي والعواصم الأوروبية، مما دفع بدوله نحو ممارسة ضغوطات سياسية ودبلوماسية قابلة للتصعيد في حال إمعان إسرائيل في القتل والإبادة، وتجاهل الشرعية الدولية.

لقد أدت جهود المملكة وحراكها الدبلوماسي لدفع حل الدولتين إلى الواجهة مجدداً، مما أدى إلى زيادة عدد الدول الأوروبية التي اعترفت بمبدأ حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وفي ظل السردية الإسرائيلية التي تستهتر بالقانون الدولي والإنساني والقيم البشرية، وتبرير حربها بأنها موجهة ضد «الإرهاب»، تتضح عدم مصداقية هذه الدولة الظالمة والوحشية، بينما تتجه أمريكا نحو مسار المفاوضات مع إيران، بصرف النظر عن الرغبات والتمنيات والأهواء الإسرائيلية، وهي مفاوضات لو كُتب لها النجاح ستكون لها تداعيات إيجابية في تحجيم حقبة من الصراعات في المنطقة.

المملكة، سيراً على نهجها الثابت والرصين، تؤمن بأنّ بناء عالم أكثر استقراراً وازدهاراً يتطلب تعزيز الشراكات الاستراتيجية، ومد جسور التعاون مع مختلف الفاعلين الدوليين. لذا لم يقتصر دورها على حل النزاعات، وتخفيف حدة التوترات، بل امتد ليشمل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتبادل الخبرات في مجالات البحث العلمي والابتكار. وتتجلى هذه الجهود عبر القمم المتتالية واستضافتها العديد من المؤتمرات والمنتديات الدولية التي تجمع قادة الفكر وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التحديات المشتركة وصياغة الحلول المستدامة. هذا الانفتاح يعكس رغبة المملكة في أن تكون جزءاً لا يتجزأ من منظومة التعاون الدولي، وأن تساهم بفاعلية في بناء مستقبل أفضل للجميع.
00:06 | 10-06-2025

السعودية تتألق وتعانق الحداثة والتطور

لم يكن الفن في يوم من الأيام عدواً للإنسان. الفن ابن الحياة، ونتاج البحث المتتابع للفرح وصناعة البهجة. الفن رافعة للإخاء الكوني، بهذا المعنى يتعيّن أن نفهم ونراعي ما يجري في السعودية. إن المملكة تتغير وتتطور، وتحاول أن تسابق الزمن من أجل الدخول في فلك الحداثة الحقيقية. ويأتي الترفيه في إطار هذه العملية الصعبة والطويلة، لكنها الممتعة في نهاية المطاف.

المملكة تعيش فترة من التطور والازدهار اللذين يعكسان انفتاحاً غير مسبوق على العالم، ويعتبر هذا التحول دليلاً واضحاً على رؤية القيادة السعودية للمستقبل. فمنذ أن أطلقت الحكومة رؤية 2030 أصبح المجتمع السعودي يتجه نحو آفاق جديدة من التقدم والتحديث في مختلف المجالات، بما في ذلك الثقافة والفنون والأزياء.

وفي حدث تجلت وازدهت فيه معاني الفخامة والتميز، استضاف موسم الرياض مؤخراً واحداً من أكبر مصممي الأزياء في العالم، في حفل يمثل نقطة استثنائية بإشراف الهيئة العامة للترفيه، وبديناميكية فاعلة لجعل صناعة ومحتوى الترفيه في السعودية تضاهي المستوى العالمي.

من خلال هذه التظاهرة الثقافية والفنية، استطاعت الهيئة استقطاب أفضل المواهب المحلية والإقليمية والعالمية، مما يمكّن الجيل الجديد من استكشاف الإبداع والتفاعل البناء مع الكون.

استقطب الحفل لفيفاً من نجوم ونجمات الفن العربي والعالمي، من مطربين ومطربات وممثلين وعارضات أزياء. وقدّم المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب عروض أزياء من تصاميمه الراقية، بينما رافقت هذه الفعالية مطربات وفنانات بارزات مثل نانسي عجرم، وجينفر لوبيز، وكاميلا كابيلو.

وتُوّجت هذه الفعالية بحضور الفنانة الكندية القديرة سيلين ديون التي شاركت بعد مكابدة مع المرض، حيث تألقت ديون في هذه المناسبة الفخمة، وجذبت تفاعل الحضور الذين تعاطفوا معها لمكانتها الفنية وبسبب الظروف التي مرت بها، مما أضاف للحدث أبعاداً إنسانية عميقة. وهل الفن إلا دعوة مباشرة إلى التلاقي والتآخي؟

مساهمة أبرز الأسماء في هذا العرض تحمل دلالات عميقة على إمكانية تحقيق التغيير، وتحفيز الطموحات الإبداعية والفنية في المملكة؛ فهذه الفعاليات ليست مجرد عرض للأزياء أو حفلة موسيقية، بل هي مؤشر واضح لإصرار المملكة على السير قدماً في طريق التطور والتجدد، فضلاً عن تسليط الضوء على قدرة المجتمع السعودي على التكيّف مع العصر وتقبّل الأفكار الجديدة، مما يعزز قيم الانفتاح والتفاعل مع الثقافات الأخرى.

علينا أن نقر بأنّ التغيير من سنن الكون، فالأجيال الجديدة تختلف في أولوياتها وطموحاتها عن التي سبقتها. لذا فإنّ هناك حاجة مستمرة للتكيّف مع المتغيرات، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي. إنّ المجتمعات التي ترفض التغيير وتتمسك بالجمود ستواجه الفشل، في حين أنّ المجتمعات التي تحتضن الابتكار والتجدد ستبقى متألقة نابضة بالحياة.

نتطلع بتفاؤل وأمل إلى هذا التغيير والانفتاح اللذين نشهدهما في السعودية اليوم، حيث يمكن أن تُعتبر السعودية رائدة التحديث والتغيير في الشرق الأوسط. القيادة السعودية برؤيتها الثاقبة ماضيةٌ في بناء مجتمع يسمح ويشجع التنوع الفكري والثقافي، من دون تناقض مع القيم التي تميز الهوية السعودية.

المملكة اليوم تُعزّز التفاؤل بمستقبل أفضل لسائر دول المنطقة، وتضرب مثالاً ناصعاً في التجديد والانتساب إلى الحياة والتطور. وفي الوقت نفسه، وبخطى واثقة ومتوازنة، تحافظ على القواعد الإيمانية الراسخة في نفوس البشر، حاملة بإباء مشعل النور لتواجه الظلام وفلوله، ليصبح الشرق الأوسط منارة للمستقبل، حسب رؤية ولي العهد الطموحة التي تنشد أن يعم السلام والتنمية المستدامة في الربوع كلها.

دعم الشعب السعودي لهذه المبادرات الخلاقة يعكس مدى الوعي والرغبة في التغيير الإيجابي. وعلى الرغم من الانتقادات التي قد تصدر من بعض الأفراد، تقدم السعودية نموذجاً يحتذى في الانفتاح والتغيير المستمر الذي يتسق ومتطلبات العصر الحالي فكراً وإبداعاً وأدباً وفناً وبطريقة إيجابية ومتوازنة.

أما ما يُثار هنا وهناك من بعض الأصوات، فنود أن نذكر بالمثل القائل «من كان بيته من زجاج لا يرمي على الناس حجراً». ثقافة رمي الحجارة لا تنفع. أما الحس النقدي البنّاء فأمر مطلوب ومحمود؛ لأنه يساعد المجتمع على التقدم، ويبني على المنجزات ويعظّمها.

السعودية تدرك أنّ الحداثة تعني خدمة البشر، وأن الانفتاح هو تكريس للمواطَنة الإنسانية، وإعمار للأرض وتأثيثها بالأمل والمحبة، وبذلك وحده نرصف الطريق أمام المستقبل المشرق.
00:01 | 1-12-2024

«زهرة» تزرع الأمل وتهزم اليأس

يشهد العمل التطوعي في المملكة العربية السعودية نمواً ملحوظاً، بدعم من القيادة الرشيدة، وشراكة فاعلة من القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني. وتسعى المملكة من خلال هذه الجهود إلى تعزيز منظومة الصحة الاجتماعية الشاملة، وتحسين جودة حياة المواطنين، وصولاً إلى تحقيق التنمية المستدامة، فضلاً عن أنّ تزايد الاهتمام بالعمل التطوعي يجسّد في الوقت نفسه مدى وعي المواطن السعودي، وإدراكه أهمية دعم المؤسسات الخيرية التي تسهم في نشر المعرفة والوعي الثقافي والأمن الصحي.

ويأتي في طليعة هذه المؤسسات الخيرية «جمعية زهرة لسرطان الثدي» التي تعمل، دون كلل أو ملل، لرفع مستوى الوعي الوقائي لدى السيدات في مختلف أرجاء المملكة. كما تقوم بتوفير الدعم الحيوي للمريضات والمتعافيات على حد سواء، بتوجيه ومتابعة حثيثة من قبل صاحبة السمو الملكي الأميرة هيفاء بنت فيصل بن عبدالعزيز، رئيسة مجلس إدارة جمعية زهرة الخيرية، التي تؤكد على مدى إيمان القيادة بأهمية تعزيز روح العطاء والمسؤولية المجتمعية، مما يساهم في بناء مجتمع حيوي ومتماسك ومعافى ومقبل على الحياة بأمل.

القطاع الخاص آمن بأهمية الدور الفاعل والمؤثر التي تقوم به جمعية زهرة، لذا راحت الكثير من مؤسسات القطاع الخاص تتجاوب مع رسالة الجمعية التوعوية، ومن بينها شركة أرامكو، وكذلك صندوق الاستثمارات العامة عبر الشركات التابعة له؛ حيث احتضنت مجموعة روشن والجولف السعودية الكثير من الفعاليات لمصلحة جمعية زهرة للتوعية والوقاية من هذا الداء العضال.

وفي إطار الدعم والإسناد، شهد نادي الرياض للجولف، في الثاني من نوفمبر الجاري، فعالية عامة تمثلت في «المسيرة الوردية» شارك فيها الكثير من الرجال والنساء في إطار بطولة أرامكو النسائية الدولية للجولف، والمقدّمة من صندوق الاستثمارات العامة.

وخلال «المسيرة الوردية» أعرب الرئيس التنفيذي للجولف السعودي نوح علي رضا، عن سعادته باستقبال صاحبة السمو الملكي الأميرة هيفاء، وأعضاء الجمعية، إذ رافقهم في المسيرة، مثمّناً هذه الفعاليات الوطنية، ودورها في نشر ثقافة العمل التطوعي في مجال الصحة العامة، وانعكاساتها الإيجابية على تعزيز التنمية وجودة الحياة. كما شهدت جامعة الملك سعود مسيرة زهرة للتوعية في شهر أكتوبر وهو شهر التوعية بهذا المرض دولياً.

«جمعية زهرة لسرطان الثدي» أثبتت ريادتها في مجال مكافحة هذا المرض، وذلك من خلال جهودها الحثيثة في التوعية الوقائية، وتقديم الدعم الشامل للمصابات والمتعافيات وذويهن. ومنذ تأسيسها، أخذت الجمعية على عاتقها مهمة مُلهمة تتمثل في تقليص تأثير سرطان الثدي، وتعزيز الوعي الصحي بين صفوف النساء، مما جعلها واحدة من أبرز المنظمات غير الربحية في هذا الحقل.

تقوم جمعية زهرة بتنظيم حملات توعية دورية، وورش عمل ومحاضرات في مختلف مناطق المملكة تستهدف جميع شرائح المجتمع. هذه الأنشطة لا ترمي فقط إلى نشر المعلومات حول ضرورة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، وإنما تسعى أيضاً لمحو الأفكار السلبية المترسبة في أذهان الكثيرات حول المرض؛ ما يساهم في تقليل حالات الاكتشاف المتأخر، وبالتالي تحسين فرص الشفاء، والنجاة من المرض.

جمعية زهرة، في إطار نشر عبقها، تقدم دعماً شاملاً للمصابات بالمرض، عبر الإسناد النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى توفير المشورة القانونية والطبية.

الإحساس بالوحدة والعزلة وتزعزع اليقين تعد من التحديات الكبرى التي تواجه النساء خلال رحلة العلاج، وهنا يأتي دور الجمعية كمصدر أمل وتحفيز، من خلال إنشاء مجموعات دعم وتأهيل، وتوفير بيئة آمنة للتواصل، إذ تُساهم الجمعية في تعزيز العلاقات بين المصابات وتبادل التجارب والنصائح، مما يساعد في تقليل القلق ومحاصرة التوتر.

برامج الجمعية لا تقتصر، وحسب، على الدعم خلال فترة العلاج، بل تتعدى ذلك لتشمل تأهيل النساء المتعافيات نفسياً واجتماعياً، وتمكينهن من العودة إلى حياتهن الطبيعية؛ من خلال ورش العمل التدريبية والدورات التأهيلية، حيث تُساعد الجمعية النساء على اكتساب مهارات جديدة تمكّنهن من دخول سوق العمل، وبالتالي تحسين جودة حياتهن ومساهمتهن في المجتمع. إنّ تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً هو جزء لا يتجزأ من رؤية المملكة نحو خلق بيئة صحية ومستدامة.

الرسالة الإنسانية لزهرة تزرع الأمل في قلوب الكثير من النساء، وتساهم بشكل فعّال في تحسين جودة حياتهن، وذلك بفضل التوجه الإيجابي والجهود المستمرة التي تبذلها الجمعية لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع.

إنّ زهرة ليست مجرد جمعية تقدم الدعم، بل هي رمز للعزيمة والإصرار على مكافحة سرطان الثدي، وتوفير حياة أفضل لجميع النساء، ضحايا هذا المرض، ليصبحن أكثر قوة، وأشد جَلَداً، وأعمق إيماناً بقدراتهن الخلاقة على هزيمة الألم والمعاناة.

جمعية زهرة لسرطان الثدي تستحق كل الدعم والتشجيع في مسيرتها النبيلة. وستظل جهودها الحثيثة في التوعية والدعم نبراساً يُضيء الطريق، وبارقة أمل للعديد من النساء، بما يعزز التلاحم المجتمعي في مواجهة هذا التحدي الكبير.

إن التكاتف مع الجمعية ودعم برامجها واجب إنساني ووطني لنصرة المصابات والمتعافيات، ولصنع تغيير إيجابي ومستدام يحيي طاقة التفاؤل، وينعش قوة الأمل.
00:08 | 8-11-2024

النزاعات الحدودية والتوترات الإقليمية

النزاعات الحدودية لا تهدأ وشهوتها لا تتوقف. إنّ أطماعاً غابرة تثيرها كلما هدأت ريحها واستقرت. وهي في ضوء هذا التمادي أضحت أحد أبرز مهددات الاستقرار العالمي. وبلا مبالغة إنّ هذه القضية هي بمثابة حقل ألغام يحتاج فقط إلى صاعق، أو أية حركة كي ينفجر. الأمر هو ذاته بسحنته الكريهة ونتائجه الكارثية، سواء في الغرب أو في شرقنا المتوسط المُبتلى بالحروب والآلام.

العالم في هذه اللحظة، تتجاذبه الكثير من التطورات والعواصف الإقليمية والدولية. وتلعب الجغرافيا دورها المؤثر في تأجيج الأزمات الدولية، وإيقاظ النزعات التاريخية حول الحدود وترسيم مناطق النفوذ.

كان العالم يعتقد أنّ انهيار الاتحاد السوفييتي هو لحظة تاريخية لتخفيف التوتر والاستقطاب الجيوسياسي بين القوى الدولية، بحيث أسهم، على سبيل المثال، في توحيد ألمانيا، وتعزيز تفاهم الهند مع جيرانها كالصين وباكستان، خصوصاً أنها تتشارك مع هاتين الدولتين بحدود طويلة متنازع عليها.

لكن في المقابل، شهدت يوغسلافيا تفككاً في كيانها، وأشعل موضوع الحدود مخاوف أمنية وتهديدات إستراتيجية، لاسيما في مسألة مصطلح المنطقة الحيوية الذي أشعل العديد من الأزمات بين الدول، وفي طليعة هذه الأزمات الدولية والإقليمية المتشابكة الحرب الروسية الأوكرانية، تحت ذريعة نطاق نفوذها الإقليمي الحيوي. بل إنّ موسكو تصرفت بمنطق روسيا التاريخية والهواجس القيصرية. الغزو الروسي لأوكرانيا وقبلها احتلالها لجزيرة القرم دفعاً إلى تحشيد الدول الغربية ضد روسيا لقهر طموحها ومحاصرتها وإنهاكها.

العالم الذي يرى بعين واحدة، يغمض العين الثانية عمّا ترتكبه إسرائيل، وهذا يكشف ازدواجية المعايير ويطيح بزيف المزاعم الغربية، ورغبة «العالم المتقدم» في السلام في الشرق الأوسط. إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها حدود ثابتة، رغم أنها الوحيدة التي أُنشئت بقرار من الأمم المتحدة، وتعهد بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، من دون تحديد مفهوم مصطلح القومي. وهي دولة (أو كيان) لم يكن لها وجود في السابق، وتقوم حالياً بازدراء وتجاهل الحدود التي وضعتها الأمم المتحدة للضفة الغربية وغزة، كأراضٍ محتلة.

وبعد أن نضع نقطة في آخر السطر نتذكر أزمات حدودية قادت إلى الويل والثبور وعظائم الأمور. يكفي أن نتذكر الغزو العراقي للكويت عام 1990، والنزاعات الحدودية بين المغرب والجزائر، وبين ليبيا وتونس، أو بين تركيا وسوريا. الأمثلة كثيرة على المنازعات الحدودية القابلة للانفجار، والتي تتطلب المزيد من تعزيز تدابير الثقة، ومراعاة مصالح كل دولة، وخلق مناخ إستراتيجي يلتزم مبادئ القانون الدولي، ويحترم الحقوق السيادية لكل دولة، وفق معايير واضحة.

العاصفة لا تهدأ (أو لا يُراد لها أن تهدأ). الصحف ومنصات الإعلام على تعددها تتداول الآن في مسألة النزاعات الحدودية بين دول عربية. يُشتمّ من هذه المحاولة وتسعيرها أنها لا ترغب في الخير للعرب، لأنها تستثمر في صناعة التوتر وإذكاء وتأجيج مثل هذه الخلافات؛ بغية زعزعة أمن هذه الدولة المطمئنة، وبث روح الفتنة والوقيعة بينها، وكأنّ التوترات هو قدر هذه المنطقة الدائم.

الدكتور غازي القصيبي سبق أن حذّر من موضوع الخلافات الحدودية بين الدول العربية، وأهمية احترام الحدود القائمة، حيث قال: إذا نظرنا الآن إلى العالم العربي سنجد أنّ كل دولتين متجاورتين لديهما خلافات حدودية أو أيديولوجية، وهذا أمر وارد، ولكنّ فتح كتاب التاريخ والعودة للماضي أمر خطير، حيث العودة للماضي تؤدي بكل دولة أن تدّعي ما تشاء، وأنّ حدودها هي كذا وكذا، وقد يأتي شخص يتذكر أنّ تلك الأراضي تعود إلى جدّه قبل ألف سنة وهي جزء من أراضيها، فنبدأ في صراع الأجداد!

الحل، الذي يراه القصيبي، هو احترام سيادة الدول بالصورة القائمة بها هذه الدول حالياً، مهما كانت هذه الدول كبيرة أو صغيرة، والتمسك بالدول القائمة حالياً. ومن دون ذلك سنعيش في أوهام وصراعات وتوتر.

إنّ أي تشكيك في مصداقية الاتفاقيات القانونية التي رسّمت الحدود، هو مؤشر يسهم في صرف النظر عما يحصل في بعض الدول العربية من نهضة شاملة تقودها قيادات شابة أحدثت توجهاً جديداً بالمفاهيم الجديدة، وتعمل بلا كلل للارتقاء بمجتمعاتها وشعوبها لتتبوّأ المكانة التي تستحقها، والنهوض بمستقبل التنمية المستدامة، الذي هو بوابة الأمل لكل شعوب المنطقة والعالم.
00:36 | 5-07-2024

قم للذكاء الاصطناعي وفّه التبجيلا

لم يكن تبرّم الشاعر إبراهيم طوقان من التعليم آتياً من جلال الرسالة ولا من سمو المهمة، بل لأنّ عملية التعليم برمتها مرهقة وشاقة تأكل أعصاب المعلم وتُعشي عينيه.

ولا ريب في أنّ التعليم شأن بالغ الأهمية، ويندرج في سياق بلورة مفاهيم وأنساق جديدة؛ بهدف خلق استراتيجية تروم بناء مجتمع وبيئة تعليمية تواكب التطورات، وتحقق أهداف التنمية المستدامة على الصعد كافة. كما أنّ العمل على إيجاد هذه البيئة يتأتى من خلال تهيئة الطلبة، ومدهم بالمعارف والعلوم؛ بما يمكّنهم من اكتساب المهارات، ويعمل على تحفيز صناعة الوعي المجتمعي، لاسيما في العصر الرقمي الحالي الذي يعصف بالثوابت.

العملية التعليمية، فيما مضى، كانت مرهقة للطالب والمعلم على حدٍّ سواء، وهو ما جعل الشاعر طوقان يشكو من مشقة وصعوبة التعامل مع بيئة التعليم في زمانه، وقد أدت به هذه المكابدة إلى كتابة قصيدته المشهورة التي يعارض بها قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي ذائعة الصيت التي مجّد بها مهمة المعلم ورسالة التعليم، وكان مطلعها:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا

كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي

يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا؟

لقد تغنى العرب شرقاً وغرباً بهذه الأبيات حتى أصبحت شعاراً للمعلم ورمزاً لأهميته في المجتمع. بيْد أنّ الشاعر والمعلم إبراهيم طوقان لم يرُقْ له ما تغنى به أمير الشعراء، وقد أخذ على شوقي أنه يقول مجرد شعارات؛ ذلك أنّ شوقي لم يجرّب التدريس، ولم يكابد ما يكابده المعلمون من ضيق ورتابة في بيئة المدرسة ومتطلباتها المرهقة، مما ضاعف من حنق طوقان وأثار بركان شاعريته؛ فراح يعارض شوقي بقصيدة يقول فيها:

شوقي يقول وما درى بمصيبتي

قم للمعلم وفّه التبجيلا

اقعد فديتك هل يكون مبجلاً

من كان للنشء الصغار خليلا

ويكاد يقلقني الأمير بقوله

كاد المعلم أن يكون رسولا

لو جرّب التعليم شوقي ساعة

لقضى الحياة شقاوة وخمولا

هذه السخرية «الطوقانية» اللاذعة عكست حقيقة معاناة المعلم الذي جسّدها الشاعر، ناهيك عن ضعف الرواتب والاعتبارات الأخرى التي تجعل حياة المعلم مسيّجة بالقيود والإكراهات.

ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذه المعارضة الشعرية: هل كان الشاعر والمعلم طوقان ليقول مثل هذه الأبيات لو أنه عاش في عصرنا؛ أي عصر الثورة التقنية، وذيوع منصات الإنترنت المتعددة، وابتكارات الذكاء الاصطناعي الذي أحدث انقلاباً في مفاهيم التدريس، وأثّر على التعاليم بنيةً ومحتوى؟

ما أنفك عصرنا الراهن يشهد تنوعاً مدهشاً في تقدم الذكاء الاصطناعي على أساليب العملية التعليمية، سواء عبر الواقع الافتراضي أو المعزز، وفي مختلف ميادين الحياة ومجالاتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، وسواها.

التقنيات الحديثة والممارسات الجديدة أسهمت بدورها في تحسن المهارات وتحفيز تفاعل الطلبة مع المعلمين. وبرزت قدرة هذه التقنيات الفائقة على القيام بدور المساعد الافتراضي الذي يستطيع تحمّل عبء المعلم اليومي، من تصحيح الدفاتر، وتحليل البيانات، والإجابة عن الاستفسارات، وطرح المقترحات بما في ذلك تنمية مهارات الطلبة، ورفع مستواهم في قواعد اللغة ووضع علامات الترقيم وضبط الإملاء. أي أنّ الذكاء الاصطناعي أنتج بيئة مبتكرة في محتوى التعليم والتعلّم.

وفي غمرة هذه التحولات، هل سيبقى طوقان متبرماً ماضياً في شكواه من رؤية الدفاتر وتصليح الأخطاء، وهل سيظل مصرّاً على قوله:

حسب المعلم غمَّة وكآبة

مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا

مئة على مئة إذا هي صلِّحت

وجد العمى نحو العيون سبيلا

ولو أنّ في التصليح نفعاً يرتجى

وأبيك لم أكُ بالعيون بخيلا

العالم يعيش في حقبة مختلفة، ولو أنّ شاعرنا ومعلمنا توفرت له مثل هذه التقنيات، فلا ريب أنه سيغيّر رأيه، ولربما امتدح ذلك في قصيدة يهيب بها بالأتمتة وبراعة المنصات الرقمية. وعلى الرغم من ذلك، فإنّ على شاعرنا الكبير أن يطمئن، وأن يرقد بسلام؛ فدور المعلم ما زال أساسياً وأدوات الذكاء مهما بلغت من تقنية لن تحل محله حلولاً نهائياً مبرماً؛ إذ لا بديل عن التفاعل البشري الذي يعد أساس الجودة في عملية التدريس، وغرس القيم، وتحفيز الضمائر، فهذا الجانب الوجداني يحتاج إلى معلم قدير و(مقدَّر) صبور منفتح، يتحكم في المنصات التقنية، ويسخّر العصر الرقمي بما يضمن التنمية المستدامة والاستنارة والإبداع.
00:08 | 28-06-2024

رُسل السلام وثقافة التطوّع الخلاقة

تعمل البرامج التطوعية على تعزيز علاقات التبادل، وبناء الاحترام بين الشعوب، وتنمية قدرات الشباب المشاركين من مختلف الدول، ومن سائر الخلفيات التعليمية والدينية والثقافية، وهو ما يرفد روح الإنسان، ويقيل عثراته، ويلبي أشواقه.

وعرفت العلاقات الدولية الكثير من أنواع العمل التطوعي، حيث يسهم برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين في تعزيز روح المسؤولية، ويستهدف الإنسان وتنمية مقدراته ورفاهية حياته، بما في ذلك التنمية المستدامة، وتجلية مبادئ الأمم المتحدة، بالإضافة إلى دعم الاستقرار، وتحقيق السلام في جميع أنحاء العالم.

التواصل، في هذا الإطار، يسهم في تعزيز العلاقات بمختلف حقولها، وقد عمدت الكثير من الدول على الاستفادة من أدوات الاشتباك والتواصل، والوصول إلى مختلف فئات المجتمع الذين هم بحاجة إلى العون والمساندة، والعمل على تحقيق مبدأ المشاركة الاجتماعية، والتركيز على مستقبل الأجيال الشبابية.

التطوّع سمة المجتمعات الحيوية. وفي ضوء التطوّر المذهل لمواقع التواصل الاجتماعي وتقنية الإنترنت، فمن المهم تفعيل ثقافة التطوّع.

تؤمن المملكة بقيمة العطاء في العمل التطوعي، وكان لها قصبُ السبق في عملية التواصل وبناء الجسور، وزيادة الوعي بالعمل التطوعي الخلّاق، والاشتباك المثمر مع الثقافات والمجتمعات الأخرى، وإشاعة روح العمل والمسؤولية لدى الشعوب على قاعدة المشترك الإنساني المتجذر في العقول والنفوس.

من هذا المنطلق الجليل تبلورت، بالتعاون مع مملكة السويد، فكرة «رسل السلام» (Messengers Of Peace) التي تمثل صيغة خلّاقة ومنهجية عمل إنسانية. كان ذلك أثناء زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، عام 2001 (وكان وقتها ولياً للعهد)، للسويد، ودعوته لشباب الكشافة أن يكونوا رسل سلام، وتسخير الطاقات الشبابية في بلدانهم من أجل خير البشرية جمعاء. وقد استجاب ملك السويد كارل السادس عشر غوستاف، الرئيس الفخري لمؤسسة الكشافة العالمية، لهذه المبادرة التي انضم إليها ملايين الكشافة حول العالم، بعد إطلاق برنامج «رسل السلام» بشكل رسمي.

أخذ المشروع الكشفي العالمي لرسل السلام بعداً إضافياً أثناء زيارة الملك كارل السادس عشر غوستاف المملكة العربية السعودية عام 2011، وقد سبق للسفارة في استكهولم أن تشرفت باستقبال العديد من أعضاء الكشافة السعودية، إذ جرى التأكيد على التعاون السعودي-السويدي في مجال الكشافة، بما يعطي بعداً إضافياً للعلاقات الثنائية بين البلدين، ويخدم السلام العالمي.

أصبحت «رسل السلام» مشروعاً حضارياً يحظى برعاية ودعم من المملكة، لتقديم الخدمات التطوعية والمساعدات الإنسانية في الدول الفقيرة في أفريقيا وآسيا والعالم، حيث تقوم بتوزيع الأدوية، وحفر آبار المياه، ونشر الثقافة الصحية، وإيجاد البيئة التفاعلية للأفكار النبيلة.

ويعد مشروع «رسل السلام» من المشاريع التطوعية العالمية التي أثبتت نجاحها في الخدمة المجتمعية، خصوصاً وأنّ برامجها تتفق وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، فقد بُذلت أكثر من 700 مليون ساعة عمل باشرها أكثر من 40 مليون كشاف في «رسل السلام» على مستوى العالم في أكثر من 140 دولة، بما يمكّنهم من تعزيز مقومات الصمود الذاتية والحياة الكريمة.

وتسهم المملكة في إعلاء أفق التعاون، والارتقاء بالعمل التطوعي، كما يعكسه موسم الحج على سبيل المثال، ليصبح إحدى ركائز العمل الإنساني، محلياً وإقليمياً ودولياً، وتفعيل ممارسة المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي بما يتماشى مع أبعاد التنمية المستدامة، وتحفيز مجال المسؤولية المجتمعية، بهدف زيادة الثقافة بأهمية العمل التطوّعي وتنمية قيمته لدى الشباب.

وتشارك المملكة، في أفياء القيادة الشابة، بعزم وحماسة في يوم التطوّع السعودي والعالمي، الذي يوافق الخامس من ديسمبر من كل عام، وتقوم بدور إنساني كبير عبر دعم «رسل السلام» في مجال العمل التطوعي، بما يسهم في تحقيق أهداف رؤية 2030 في مجال المسؤولية المجتمعية، وبناء فضاء مستنير من الريادة والمبادرة والإبداع.

لقد ذكر ملك السويد، خلال مقابلته خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، أثناء زيارته الأخيرة للرياض أنّ برنامج «رسل السلام» قد ألهم 23 مليوناً من كشافة العالم، وأنّ هناك 50 مليون كشاف في 169 بلداً يحيّونك، يا خادم الحرمين الشريفين، على دعم هذه المبادرة التي هي واحدة من مبادرات المملكة العديدة كدولة راعية للسلام والتطوّع الإنساني الدولي.

الكشافة هم رسل الخير والحب والسلام لكل العالم. ومن هنا ينبع اهتمام المملكة ودعمها لهذا المشروع المدهش الذي يصب في إطار السلام والحوار والصحة والبيئة، وحل الصراعات بين المجتمعات وداخلها، ورفع منسوب الإخاء والتعاطف والحنوّ بين أفراد المجتمع البشري، من أجل حب الإنسانية، والولاء لقيمها، وتنمية الثقافة التطوعية، وإعلاء راية الخير والأمل.
23:55 | 14-06-2024

قيصرية الكتاب: قلب الرياض ينبض بالثقافة

في قلب الرياض النابض تقع، وللأسئلة تثير، وللجمهور تفتح النوافذ، وللعقل والوجدان تُشرّع الأبواب، فتمنح الروح ندى وعبقاً. إنها «قيصرية الكتاب»، وفي اسمها رنين وعراقة.

تقع القيصرية في منطقة قصر الحكم، وتحاكي في طرازها المعماري المميز الخصائص لمنطقة قصر الحكم الذي حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- عندما كان أميراً للرياض، أن يأخذ المكانُ الطابع العمراني للتراث السعودي.

هذا المكان أثار في نفسي لواعج الحنين وذكريات طويت مع الزمان، حيث كنت أدرس المرحلة المتوسطة في مدارس المنطقة.

فتحت القيصرية أبوابها لأول مرة عام 2019 بإشراف الأستاذ أحمد الحمدان، وأصبحت منذ ذلك الحين ملتقى ثقافياً يرتاده المهتمون بالثقافة بكل فروعها، كما أضحى واحة حضارية تسهم في إثراء المشهد الثقافي، من خلال إقامة الفعاليات والندوات الثقافية، وهو ما انعكس إيجابياً على تحفيز الأنشطة، والإقبال على هذه الساحات العامة الثقافية.

ويعزّز هذا الإقبالُ الحراكَ الذي تشهده الساحة الثقافية بانتشار الملتقيات الثقافية، سواء من خلال مكتبات عامة مفتوحة للجميع، أو عبر ذيوع ظاهرة المقاهي الثقافية التي تهتم بتعزيز التواصل والحضور الثقافي في الفضاءات العامة. هذه المنتديات نقلة نوعية بالغة الأهمية والأثر، وأحد أهم أوجه التحول الحضاري التي تشهده المملكة عبر رؤية المملكة 2030 الطموحة. وتقوم وزارة الثقافة بجهود ملموسة لدعم المشهد الثقافي من خلال تقديم المبادرات الإيجابية لبناء مستقبل ثقافي غني بكل أنواع الثقافة والفنون.

وتمثل هذه المنتديات امتداداً لملتقيات ثقافية عرفتها دول عربية، خصوصاً في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كما هو الحال في مقهى الفيشاوي العريق في القاهرة، إذ كان من أهم رواده الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وكذلك في لبنان، حيث تختزن ذاكرة مقهى (الهورس شو) في شارع الحمرا ببيروت بسجالات الفنانين والمثقفين والشعراء من أمثال عمر أبو ريشة، ومحمود درويش، ومحمد الماغوط، ونزار قباني، وأنسي الحاج، وغيرهم من الكتاب والصحافيين. لقد كان للهورس شو طابع ثقافي خاص ونكهة مميزة.

دعيتُ مؤخراً لحضور ندوة ثقافية في قيصرية الكتاب، بعنوان «كتابي الأول القصة كاملة» تحدثت فيها الأستاذة الدكتورة نورة الشملان، وأدارت الحوار الأستاذة الدكتورة أمينة عبدالرحمن الجبرين، وأشرف على تنظيم الفعالية الأستاذ فهد عبد اللطيف الدايل.

الدكتورة الشملان تعد وجهاً حضارياً مشرقاً للمرأة السعودية والثقافة السعودية عموماً، فقد عملت أستاذةً لمادة النقد العربي والدراسات العليا في جامعة الملك سعود، وحصلت على الكثير من شهادات التقدير والأوسمة، وكان لها دور فاعل كعضو في الكثير من اللجان العلمية، مثل مكتبة الملك عبدالعزيز، ومركز الأميرة نورة بنت عبدالرحمن الاجتماعي في مدينة عنيزة، وجائزة العويس في حقل الشعر، وجائزة الملك فيصل في مجال الأدب.

والشملان، علاوة على ذلك، من الطاقات المتألقة التي أسهمت في إثراء المشهد الثقافي عبر إصداراتها الكثيرة والمتنوعة، كما أطلقت صالوناً أدبياً أسبوعياً «سرلمينا» (والاسم مُكوَّن من أحرف أسماء بنات الدكتورة نورة «لينا، لميس، سارة»)، لزيادة الوعي الثقافي والمعرفي وإذكاء الحوار والنقاش في قضايا المجتمع، وهي بذلك تمثّل منارة مضيئة في تاريخ نشر الثقافة، كما هو الحال في صالون ولّادة بنت المستكفي، وصالون مي زيادة.

تحدثت الدكتورة نورة الشملان، خلال فعالية القيصرية، عن الشاعر الكبير أبو ذؤيب الهذلي، وهو شاعر من فحول الشعراء المعمّرين، ويعد من رواد شعر الرثاء في الأدب العربي، وترك بصمة خالدة من خلال قصائده، حيث تحدثت الشملان عن تفاصيل حياته وأثره في الشعر العربي، وعن بيئته في تلك الحقبة الزمنية، فضلاً عن معاينة تجربته الشعرية وأسلوبه ولغته الحادة، بسبب الأحداث الموجعة التي تركت بصماتها على حياته، خصوصاً بعد فقدانه لأبنائه، حيث رثاهم بقصيدة مؤثرة مطلعها:

أَمِنَ المَنونِ وَريبِها تَتوجَّعُ

وَالدهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ

نفتخر بهذه القامة الأدبية السعودية، وبهذه المرأة التي كان لها أثرها وبصمتها في المشهد الثقافي السعودي، ونعتز بالقائمين على الأنشطة الثقافية في بلادنا، والمحفّزين للعقول والأفئدة، فالثقافة بحقولها المختلفة تجسد القوة الناعمة للمجتمعات الحضارية المعاصرة.
00:02 | 2-06-2024